الجمعة، 25 فبراير 2011

أروّح ....أروّح

ليست هذه العنونة مقتبسة من أغنية فيلم اسماعيل ياسين المليونير ( عايز أروّح ... ماتروّحشي ) بل هي عبارة يعرفها معظم أبناء الإسماعيلية .. يطلقها صاحبها الأشهر من المحافظ والأقدم من تمثال الخديوي و الأكثر انتشاراً من اعلانات شبكات المحمول ، إنه أحد المصابين ذهنياً الذين يجولون الشوارع والميادين ، ويحسن إليهم الجميع ، ( نصر ) ذلك البهلول المسكين ، الذي لفت نظري بشدة لا لغرابة حالة - فليس حاله غريبا في موطننا عن كثيرين مثله بل و بعضهم أصحاء الذهن غير أن الظروف الطاحنة تجعلهم و إياه سواء في الهيئة والمصير ،إنما استوقفني و أفاقني و فاق قدرتي على التعبير هو مفهوم المرواح ، مفهوم العودة ، متى نعود و إلى أي مكان نعود ...

أكاتب أصحابي و أحبابي من النخبة المصرية المغتربة في بلاد الله و أحكي معهم عن ذكريات طفولتنا وشبابنا الغافل ، حين كان كل شئ في نفوسنا محمولاً على الأمل ... لأن آباءنا وأمهاتنا تحملوا عنا رؤية الجانب المظلم و الحقيقة التعسة لوطن تآكلت معانيه و احتله الأشرار و تبدد الانتماء إليه ، أتفاجأ حينها في ردودهم بكم هائل من الحنين والحب و الشوق و الرغبة الحثيثة للعودة ، ما يهز كياني و يشعرني بالشفقة نحوهم ، فهم ومن واقع حكاياتهم عن مواطن الاغتراب في أسعد حال ، ليس مادياً ما عنيت إنما يسعدون لأن عطاءهم في الدنيا مثمر وممنون، و الناس مضبوطون عادلون من حولهم رغم كل ما نسمع عن التمييز والتفرقة و الصعوبات اللغوية والدينية ، فأزعم وأنا واثق أنهم لا يعون مقدار ما هم فيه من نعمة ، عندما يفاجئهم ردي المتطرف أن ابقوا هناك ولا تعودوا ، تماما ( عايز أروح ماتروحشي ) لأن المرواح الآن خطأ جسيم ، أعلم أن لهم أحبة ووذكريات تئن في شتاء الغربة و لهم ملامح تسأل دائما من أين أنت ، و لكن أزمة الاغتراب في الوطن علمتني درسا كبيرا أليما ...

هنا لم أعد أشعر بكلام شوقي أبدا ( ياساكني مصرَ إنا لا نزالُ على عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا ... هلا بعثتم لنا من ما نيلكمو شيئاً نبلُّ به أحشاء صادينا .... كل المناهل بعد النيل آسنةٌ ما أبعد النيل إلا عن أمانينا ) لقد أصبح النيل آسناً لو يعلمون ، وغدا أبعد عن أمانينا نحن المقيمين على شطآنه الدامعة الحزينة ،

أعلم أنهم جميعا قد يأخذون عليّ ، فلم لم تسافر أنت و قد ماتت بداخلك أسباب البقاء ، هنا تأتي إشكالية المصري عندما يفكر ، المصري كما وصفه جمال حمدان في موسوعته وصف مصر ،كائن زراعي لصيق بالأرض مربوط بالأهل مثبت لدى شواهد القبور ، يؤثر السلامة على المغامرة ، و يقبل أشد العوامل الطبيعية واللاطبيعية قسوة ًولا ينفك عن طينه و آسنِ مائه ، عندما قررت قرار المرواح كنت أعلم أنه قص للجناح و دفن للطموح و رغبة في زهد صوفي عجيب يناقضه جزء من نفسي لم أغالبه بعد ،

أرجوكم ابقوا هناك سفراء للعنصر المصري ، أكدوا للدنيا وجود خمائر النجاح المعتقة ، و طلاسم التفوق والحضارة في نفوسكم الأصيلة ، وأن انهيار بلادكم ليس سببه خيبة وراثية ولا انتكاسة أصابت الجينات الفرعونية لديكم، إنما هي غيمة سوداء تصيب كثيرا من الأمم وتبقى قرونا

حتى ينبعث من يحسن التغيير ، أقسم عليكم أن لا ترجعوا فأولادكم و إن نبتوا في تراب غريب ، وإن تربوا على ثقافة هجينة فهم أولى الناس بنواتج الحراك العالمي وسبل التطور الإنساني ، بينما نربي أطفالنا هنا من نفس المستنقع الداكن ونبكي عليهم و ألوانهم تتخذ لون الخوف والقهر والقمع و اليأس المقيم ،

للمرواح ميعاد ، وحتى لو لم يأت له ميعاد ، فوضعكم أفضل كأرصدة وطنية ندخرها للزمن ، و نأنس لوجودها عند مصبات أنهار التقدم البشري و على قمم جبال العدل والبرهان ، بعيدا عن مستنقعات الخرافة والدروشة والفساد الديني والسياسي ،

كل ما أتمناه منكم ، أن اندمجوا مع الآخر تداخلوا مع مؤسساته و تراثه ، حاولوا غزوه فكريا كما غزانا فكريا و سياسيا ، ابدأوا الإصلاح من هناك ، فهناك رأس الأفعى ، ومربط الفرس

قاوموا محاولتهم ترحيلكم أو إقصاءكم ، تحملوا موجات الكراهية وسموم التمييز ، لكن احتلوا مواقعكم و تمسكوا بها ، إن فكرة العودة فكرة مجنونة - رغم أنها عاطفية وحنونة - لا تكونوا مجانين ذاهلي العقل ، وبلاش حكاية أروّح أروّح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق